الشيخ محمد اليزدي

79

فقه القرآن

ثم إن تلك القراءة في ذلك الوقت كأنّها لا تكون مطلوبة نفسيا بل تهيؤا واستعدادا لقبول قول ثقيل « 1 » . الظاهر أن المراد بالقول الثقيل الدعوة إلى الله تعالى وقبول أعباء الرسالة وإقامة الحدود والشرائع فردا وجماعة تحقيقا لقوله خَيْرَ أُمَّةٍ ، وثقله معلوم من مواجهة الكفار والمشركين ولزوم تحمّل المعارك والحروب . واما إرادة القرآن كما ذكره المفسّرون وان كان يناسب معناه الظاهر من بعد ارادتهم من القيام القيام للعبادة ومن ترتيل القرآن الصلاة ويصحّ اطلاق الثقل عليه ، كما فعله الأستاذ ( قدّس سرّه ) في الميزان ، فيبعده ظاهر القيام لترتيل القرآن تهيؤا لتلقي الثقل ، الّا ان يراد قراءة بعضه تهيؤا لقبول بعضه الآخر . وحمل ترتيل القرآن على الصلاة أو فيها ، لا وجه له ، مع أن كلّ ذلك كان لعلمهم بنافلة الليل ووقتها قبلا لا انها هي ظاهر الآية بدوا كما لا يخفى . فمصداق العنوان ومرجع الضمير هو المخاطب في قوله تعالى : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا فعليه يبدو التمرّن والتهيؤ بالقيام في الليالي ، وترك المضجع ولذائذه ، ولا سيّما قرب انتصاف الليل ، ثم التوجه إلى الله تعالى بقراءة القرآن ما يتيسّر منه مرتلا متوجها إلى اعماق المفاهيم وعروق المعاني ، فان ناشئة الليل إلى الله تعالى أثبت قدما وأشدّ وطأ ، لمساعدة السكوت والظلمة ، وعدم الصوارف والمشاغل ، ويصير بذلك أقوم قولا وأنفذ كلاما في الآخرين ، لما فيه من الخلوص ، وان لك في النهار وقتا واسعا وفرصة طويلة سبحا بالذهاب والاياب لسائر الأمور ، والتسريع في العبادة ، فقد جعل الله الليل لباسا والنهار معاشا ، فاغتنم الليل والزلف منه . واذكر اسم ربك رب المشرق والمغرب ، وانقطع عن الدنيا وما فيها متوجها إليه

--> ( 1 ) - فان تأثير قراءة القرآن بأوامره ونواهيه وبقصصه وحكمه ، وببيانه الخلقة ومقام الخالق ، وسنن اللّه التي لا تبديل لها أنفذ وأشدّ في تهيئة الانسان لقبول القول الثقيل والقيام لله تعالى من الاتيان بالصلاة والاكتفاء بالابتهال كما تعلم .